القرطبي
30
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
إلا من قد آمن " . ( فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ) أي فلا تغتم بهلاكهم حتى تكون بائسا ، أي حزينا . والبؤس الحزن ، ومنه قول الشاعر : وكم من خليل أو حميم رزئته * فلم أبتئس والرزء فيه جليل يقال : ابتأس الرجل إذا بلغه شئ يكرهه . والابتئاس حزن في استكانة . قوله تعالى : ( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ) أي اعمل السفينة لتركبها أنت ومن آمن معك . " بأعيننا " أي بمرأى منا وحيث نراك . وقال الربيع بن أنس : بحفظنا إياك حفظ من يراك . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ( بحراستنا ) ، والمعنى واحد ، فعبر عن الرؤية بالأعين ، لأن الرؤية تكون بها . ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير ، كما قال تعالى : " فنعم القادرون " ( 1 ) [ المرسلات : 23 ] " فنعم الماهدون " " وإنا لموسعون " ( 2 ) [ الذاريات : 47 ] . وقد يرجع معنى الأعين في هذه الآية وغيرها إلى معنى عين ، كما قال : " ولتصنع على عيني " ( 3 ) وذلك كله عبارة عن الإدراك والإحاطة ، وهو سبحانه منزه عن الحواس والتشبيه والتكييف ، لا رب غيره . وقيل : المعنى " بأعيننا " أي بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على حفظك ومعونتك ، فيكون الجمع على هذا التكثير على بابه . وقيل : " بأعيننا " أي بعلمنا ، قاله مقاتل : وقال الضحاك وسفيان : " بأعيننا " بأمرنا . وقيل : بوحينا . وقيل : بمعونتنا لك على صنعها . " ووحينا " أي على ما أوحينا إليك ، من صنعتها . ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ) أي لا تطلب إمهالهم فإني مغرقهم . قوله تعالى : ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ( 38 ) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ( 39 ) حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ( 40 )
--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 175 . ( 2 ) راجع ج 17 ص 52 . ( 3 ) راجع ج 11 ص 195 .